فخر الدين الرازي

15

تفسير الرازي

قلنا : يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى . ثم قال تعالى : * ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( تلك ) * مبتدأ * ( والأيام ) * صفة * ( ونداولها ) * خبره ويجوز أن يقال : تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول : هي الأيام تبلي كل جديد ، فقوله : * ( تلك الأيام ) * إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة ، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال . المسألة الثانية : قال القفال : المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى : * ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) * ( الحشر : 7 ) أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً ، ويقال : الدنيا دول ، أي تنتقل من قوم إلى آخرين ، ثم عنهم إلى غيرهم ، ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل إليه ، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها . واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان ، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله . والثاني : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدباً له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه . والثالث : وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الاحياء ، ويسقم بعد الصحة ، فإذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء ، والقدرة بالعجز ، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال : أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ، فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر ، فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله عنه لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال : ان كان كما تزعمون ، فقد خبنا اذن وخسرنا .